وعندما فشلت مفاوضات إضافية، هاجمت الدولتان الأوروبيتان بدعم من إسرائيل نهاية أكتوبر 1956، مصر في منطقة القناة. وكرد فعل على ذلك فرضت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي عن طريق الأمم المتحدة انسحاب الوحدات الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية. فالشرق الأوسط وجب أن يكون منطقة تأثير القوى الكبرى وليس للأوروبيين.
رمز التقدم
تعلق الأمر بالنسبة للرئيس جمال عبد الناصر على وجه الخصوص بجمع أموال لمشروعه المرموق، سد أسوان، كما يقول خبير السياسة توماس ديملهوبير من جامعة إرلانغن نورنبيرغ. كان واضحاً أيضاً أنه ومنذ افتتاحها كانت قناة السويس مشروع هيبة قومي. "منذ تدشينها قبل 150 عاماً من طرف مزارعين مصريين، كانت قناة السويس رمزاً للتقدم المصري. وهذه الفكرة لعبت أيضاً دوراً في التأميم". والحقيقة أن التأميم يتجاوز عملاً اقتصادياً صرفاً، كشف عنه ناصر في أكتوبر 1956، بالنسبة إليه كان الاستحواذ على القناة بصمة لفكرة القومية العربية التي لعبت دوراً كبيراً بالنسبة للرئيس ناصر. وهذا ما "ينبع من مشاعر العرب وقلوب العرب الذين يريدون العيش في كرامة. ويريدون أن يكونوا مستقلين"، كما أوضح الرئيس ناصر.
ورشة بناء بين بحرين
مخططات بناء قناة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر كانت موجودة منذ مدة طويلة، كما يقول توماس ديملهوبير: "العثمانيون كانت لديهم تلك الفكرة منذ القرن السادس عشر. وحتى المهندسون الفرنسيون الذين أتوا في 1798 ضمن حملة نابوليون إلى مصر قاموا بفحوصات وتوصلوا إلى نتيجة أن المشروع غير قابل للتنفيذ. وعلى هذا النحو رأى البريطانيون أيضاً الأمر. فيردناند دي ليسبس هو الأول الذي دفع بالمشروع".
في البداية ظل آلاف العمال الأوروبيين منشغلين بفتح المجرى المائي. وبما أنه لم يوجد عدد كاف من الرجال، ألزم الحاكم المصري، محمد سعيد في عام 1861 عشرة آلاف عامل من صعيد مصر بالعمل في المشروع. وبعدها بسنة كلف مرة أخرى 18.000 عامل إضافي.
كان الحاكم مدفوعاً بقلق ديمغرافي: فالكثير من الأوروبيين، كما كان يخشى قد يحولوا منطقة القناة إلى مركز خارجي لأوروبا. لكن القناة ظلت بالفعل مصرية وتطورت إلى منطقة دولية. "بور سعيد تظهر تقريباً كمدينة"، كما كتبت المستشرقة الفرنسية نارسيس بيرشير التي قضت في 1861/62، بدعوة من ليسبس بعض الشهور على قناة السويس حيث كانت توجد مطاعم ومقاهي وخياطون. وليس فقط أشخاص شرفاء يأتون إلى المدينة. بور سعيد، كما لخص مسافر بريطاني كانت "المكان الذي تجد فيه خطايا من الشرق والغرب ملجأ مشتركاً لها".
"لم تعد جزءاً من أفريقيا"
بالفعل غيرت القناة مصر السابقة كثيراً: فمدن القناة وفي مقدمتها بور سعيد تحولت إلى مراكز تجارة ديناميكية ربطت مصر بشبكة التجارة العالمية. والقناة قصَرت الطريق بين لندن ومومباي بشكل كبير من 19.855 إلى 11.593 كيلومتراً. وعمل هذا على تنشيط حركة الملاحة: في عام 1870 عبرت 486 سفينة بـ26.758 من الركاب القناة. "بلادي لم تعد طويلاً جزءاً من إفريقيا"، قال الحاكم المصري إسماعيل باشا بمناسبة تدشين قناة السويس في 17 نوفمبر 1869. مضيفاً بأن القناة "جعلتها جزءاً من أوروبا".
مقياساً للتقدم
منذ التوسيع المقرر في 2015 يمكن لعدد أكبر من السفن عبور القناة. وبعدما أعطى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إشارة البدء في مشروع التوسيع، أزالت عشرات الجرفات وعربات النقل ملايين الأمتار المكعبة من الرمل. وعلى امتداد نحو 40 كيلومتراً تم توسيع القناة.
وهذا التوسيع والحفر في العمق يعني بالنسبة إلى السيسي الأهمية التي كان يضعها ناصر على سد أسوان: مشروع بهيبة يشهد على قدرة الحكومة. ومن خلال التوسيع تضاعفت طاقة النقل في القناة: فعوض 49 يمكن الآن لـ100 سفينة عبور الطريق المائي يومياً. لكن من الناحية الاقتصادية لم يتم بعد استغلال طاقة القناة بالكامل. "في ميزانية 2018/19، تم ذكر إيرادات بقيمة 5.9 مليار دولار. وهذا مبلغ كبير، لكنه لا يتطابق مع الإيرادات المتوقعة التي كان يُراد الحصول عليها من خلال التوسيع". "وبالتالي تبقى القناة مؤشراً على الهيبة القومية وفي آن واحد تذكيراً بأن البلاد لم تصل بعد إلى توظيف كل إمكانياتها".
بالتعاون مع دويتشه فيله