ما سرُّ حمرة الخجل؟
بدأت محاولات الكشف عن السرّ من زمن عالم البيولوجيا الأشهر (داروين) والذي اعتبر الأمر نوعاً من الإشارات يرسلها الخجول أو المحرج إلى الآخرين وكأنه يخبرهم أنه لا يحبذ شعوره أن الأنظار تتجه نحوه وترصد حالته الوجدانية وتتهيأ للحكم عليه، ومع تطور العلوم الحيوية تبين لاحقاً أن حمرة الخجل ناجمة عن ردة فعل الجملة العصبية الودية التي تتحكم -ضمن عدة أشياء أخرى- بنصف قطر الأوعية الدموية تضيّقاً وتوسعاً، وتؤدي في حالة الإحساس بالخجل أو الإحراج إلى زيادة تدفق الدم إلى الوجه.

والسؤال الثاني: إذا كان الخجل يتسبب في زيادة تدفق الدم إلى الأوعية الدموية، فلماذا يختصّ به الوجه دون سائر الجسم؟
يعود الأمر إلى عدة حقائق تخصّ الأوعية الدموية وتحديداً الشعيرات الدموية في منطقة الوجه، ومنها:
1- تعتبر الشعيرات الدموية في جلد الوجه الأكثر كثافةً مقارنةً بالجلد في المناطق الأخرى من الجسم.
2- أوردة الوجه تحتوي على المستقبلات الودية من نوع (بيتا) أيضاً وليس من نوع (ألفا) فقط كما هو الأمر في سائر الأوردة، ولغير ذوي الاختصاص نقول أن ارتباط الأدرينالين بهذه المستقبلات يؤدي إلى توسع الأوعية الدموية وزيادة دفق الدم، وفي حال توسعت الأوردة يمكث الدم فترةً أطول في الشعيرات.
3- كفاءة الأوعية الدموية أعلى لدى الجيل الشاب، ومن ثمّ تظهر عليهم حمرة الخجل بشكل ملحوظ أكثر.
** الطريف الغريب في الأمر: قام العلماء بجمع أشخاص معروف عنهم الخجل وقاموا بتثبيط مستقبلات الألفا دوائياً فلم تتغير درجة الاحمرار في وجوههم. وعندما قاموا بتثبيط مستقبلات البيتا انخفضت نسبة الاحمرار إلى حد كبير ولكن ظلّ الدم يتدفق، مما دفع العلماء إلى الاعتقاد بوجود آلية تحكم مختلفة بتوسع الأوعية الدموية في الوجه.
ويعتقد أن ذلك عائد إلى وجود مراكز أخرى للتحكم بسعة الأوعية الدموية غير تلك الموجودة في النخاع المستطيل وبعضها موجود في منطقة المهاد (hypothalamus).
باختصار: حمرة الخجل ناجمة عن تدفق الدم إلى الوجه الذي تحظى الأوعية الدموية فيه بخصائص تشريحية ووظيفية تختلف قليلاً عن الجلد في بقية أجزاء الجسم.
الكاتب: عبد الرحمن الأقرع
محاضر في كلية الطب - جامعة النجاح
*أهدي هذا المقال إلى طلبة قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب الذين شرفوني بطلبهم الكتابة عن الموضوع لدخوله في الإعداد لمسرحية شكسبيرية يعكفون على الإعداد لها**