في أحد أركان مكتبة بلدية نابلس العامة، هناك غرفة تحمل بين جدرانها قصة من نوع آخر. قصة رواتها كتب وأبطالها أسرى. كتب تطوي في ثناياها حكايات عن الأمل والألم، الحب والحرب، السجين والسجان، الوطن والفداء، النضال والثبات، كل هذا، بل وأكثر منه، تجسّده مكتبة الأسير الفلسطيني.
مكتبة الأسير هي واحدة من ثلاث مكتبات فرعية ضمن مكتبة بلدية نابلس. أرفقتها مكتبة البلدية إليها عام 1995 وتم تأسيسها في العام الذي تلاه بعد حصول المكتبة على هذه الكتب من بلدية نابلس، فبعد دخول السلطة الفلسطينية في عام 1995، تم إخلاء سجني نابلس والجنيد وقامت السلطة بتسليم الكتب الموجودة فيهما لبلدية نابلس، التي بدورها سلمتها لمكتبة البلدية للمحافظة عليها، وتم تخصيص جناح لها.
كنوز المكتبة ومحتوياتها
تحتوي المكتبة على الكتب التي كان الأسرى يقتنونها في سجني نابلس والجنيد. ويبلغ عددها 7578 كتاباً؛ 2372 كتاباً من سجن نابلس و5206 كتب من سجن الجنيد. وميزت كتب سجن نابلس بالشريط الفضي، أما كتب سجن الجنيد فقد ميزت بالذهبي. ويوجد فيها كراسات كان يخطها الأسرى بأيديهم يبلغ عددها 875 كراساً. كما تم حديثاً ترتيب المكتبة حسب نظام عشري دولي وإدخالها إلى جهاز الحاسوب.
الكتب فقط للقراءة الداخلية والتصوير وذلك للحفاظ عليها، فمعظما مستهلكة وتحتاج إلى عناية. وهي حصيلة ما تجمّع في السجنين منذ بداية سبعينات القرن الماضي إلى أواسط التسعينات. وكانت الكتب تدخل للأسرى عن طريق الأهل والصليب الأحمر، الذي كان يرسل لهم قوائم بأسماء كتب وهم يختارون منها. ومن ثم يسمح بإدخالها إلى المعتقلين بعد ختمها بختم الإدارة الإسرائيلية، ولم يكن يسمح بإدخالها بدون ذلك الختم.

تتنوع الكتب لتشمل جميع أنواع المعارف الإنسانية مثل: العلوم الاجتماعية والفلسفة والدين والأدب العربي والأجنبي، إضافة إلى اللغات الأجنبية حيث يوجد كتب باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية. أما الكراسات التي كان الأسرى يصنعونها ويخطونها بأنفسهم، فتتنوع بمواضيع مختلفة من أخبار كانوا يسمعونها من صوت الثورة، والمسابقات الثقافية، يقيّم الأسرى أنفسهم من خلالها، و أيضاً كراسات أحداثٍ وصور، التي كان المناضلون يصنعونها عن طريق قص صور من الجرائد ولصقها على الكراسات ومن ثم كتابة حدث أو تعليق أسفلها.
قصص وذكريات
وهناك كراسات كثيرة عبر السجناء فيها عن حالتهم النفسية والنضالية وما يجول في خاطرهم وعن معاناتهم، فهناك كراسات تصف غرف استجواب السجناء وإسقاطهم أو ما يسمونها بـ"غرف العار". كما تميز الأسرى بمهارة الرسم كرسم الخرائط وتلوينها. فالأسرى خلقوا حرية جديدة من خلال الكتب التي حفلت ثناياها بأسمائهم وملاحظاتهم وعباراتهم والرسائل، التي كانوا يكتبونها لبعضهم على هذه الكتب أو يمررونها من خلالها.
الأسرى حافظوا على الكتب و اعتنوا بها. إذ كان يكتب عليها "الكتب ملك للجميع ويرجى المحافظة عليها" وكل سجين يفسد كتاباً كان يعاقب من رفاقه بتلخيص الكتاب كاملاً. أحياناً كان الأسرى يجلّدون الكتب بأي ورقة أو صحيفة يملكونها، ويستخدمون الماء والنشاء لإلصاقها بالكتاب. إضافة إلى استخدامهم للشاش الأبيض بوضعه على كعب الكتاب وإلصاقه بنفس الطريقة.
تقول إيمان داوود، المسؤولة عن مكتبة الأسير الفلسطيني في مكتبة بلدية نابلس: "هاي المعلومات أخدتها من أسرى كانو بيجو عالمكتبة". وروت إيمان قصة حدثت معها قبل ثلاث سنوات تقريباً حينما جاء رجل كبير في السن يطلب كتاب فقه السنة. تقول إيمان "أعطيته كل كتب فقه السنة، فقعد يتحسس حواف الكتب فسألته ليش؟ فأجابني كان معي إبرة، دخل الإسرائيليون في دورة تفتيش فجأة، فدخلت الإبرة في الكتاب عشان ما يشوفوها".
تمثل مكتبة الأسير حالة خاصة بما تنفرد به وتقدمه من تجارب وذكريات للأسرى. كما أنها تمثل تعبيراً صادقاً عن أنفسهم ورحلتهم النضالية ومشاعرهم، التي كانت ولا تزال تنطق بآلامهم وأحلامهم. كما أن المكتبة تمثل صورة واضحة بأن الإنسان الفلسطيني إنسان مثقف حتى داخل السجون.
[caption id="attachment_23043" align="alignnone" width="1024"]

تنوعت كراسات الأسرى من رسم الخرائط إلى أحداث وصور.[/caption]
[caption id="attachment_23036" align="alignnone" width="1024"]

تميزت كراسات الأسرى بخطهم الجميل.[/caption]

كتابة: روان علمية وفاطمة عاشور
تصوير: روان علمية
المحرر: عبد الرحمن عثمان