يشيع عند كثير من الناس أن القصيدة أدناه للخليفة علي بن أبي طالب، لكنها لعلي بن أبي طالب القيرواني. ومن الواضح أن تشابه الأسماء هو سبب الوهم.
وقد اشتهرت القصيدة لأمرين في اعتقادي؛ الأول: الحِكَم التي تحملها. وهي حكم تعلي من شأن العلم، ولا جديد فيها. لكن في الناس جانب يغرم دوما بترداد ما هو معروف لديهم، خاصة حين يكون بصياغة متقنة. أما الثاني، فهو الإيقاع المتين. وهو إيقاع يبدأ شديدا بلا مبالغة، رصينا بلا وهن، منذ البيت الأول: "الناس من جهة التمثال أكفاء
/ أبوهم آدم والأم حواء". والتمثال هو: الشكل والصورة. ومع أنه إيقاع يضرب على أوتار عدد كبير من القصائد العربية القديمة، مثل قصيدة أبي نواس: "دع عنك لومي فإن اللوم إغراء/ وداوني بالتي كانت هي الداء"، إلا أنه إيقاع يأخذ بالنفس، ويقودها بيسر وقوة حتى نهاية القصيدة.
يعجب الناس أن يقرأوا حكما بسيطة مؤكدة مثل: (الناس موتى، وأهل العلم أحياء)، أو (الجاهلـون لأهل العلم أعداء). بالطبع، هناك بيت في القصيدة يوضح الثقافة العربية التقليدية تجاه النساء، والتي ما زالت آثارها راسخة حتى اليوم: (وإنما أمهات الناس أوعية/ مستودِعاتٌ، وللأحساب آباء). وكما نرى فالنساء مجرد أوعية حمل لا غير. أما الآباء فهم من يقيم الأحساب والأنساب.
ومثل هذه القصيدة تعيد طرح السؤال القديم: ما هو الشعر؟ فهنا قول متين، يسر، متقن، لا تشوبه شائبة، يجري بإيقاع صلب متماسك. فهل هذا هو الشعر، أم أن الشعر غير هذا وفي ما وراءه؟
الناس من جهة التمثال أكفاء
أبوهم آدم، والأم حواء
وإنما أمهات الناس أوعية
مستودِعاتٌ، وللأحساب آباء
فإن يكن لهم من أصلهم شرف
يفاخرون به، فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم
على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه
والجاهلـون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم، ولا تطلب به بدلا
فالناس موتى، وأهل الـعلم أحياء.
الكاتب: زكريا محمد
المحرر: عبد الرحمن عثمان