لقد شغفت حباً بالقراءة، فأنت مثقف جيّد ولا تجد نفسك إلا بين طيّات الكتب ورائحة الورق المعتّق، تعود من دوامك وكل تعب العالم ينخر جسدك وبالرغم من ذلك فإنك لا تفرّط بزيارة سريعة للمكتبة، تجول بناظريك بين رفوفها لتظفر بكتاب شعر أو نثر أو حتى مجموعة قصصيّة تأخذ بك لتجربة فريدة من نوعها.
حتماً سيلفت نظرك الكم الهائل من روايات جيل الشباب التي تغزو المكان، فلا تقع عيناك على ركن إلا وتجد فيه رواية رومانسيّة خياليّة بأسماء غريبة مثل "الحب في مهب الرّيح" أو "العشق في زمن الخيانة"، وغيرها الكثير من الأوراق المبعثرة من إنتاج جيل فيسبوكيّ والتي -كما يراها بعض المثقفين- لا ترتقي لأن تكوّن كتاباً.
"لا أستطيع الجزم بأن جميع الروايات الحديثة فاشلة، فهناك جيل شبابيّ يخرج روايات بمستوى عالٍ وإبداع كبير، لكن المؤسف برأيي يكمن في عمليّة كتابة الرواية ونشرها والتي أصبحت ذات أهداف تجاريّة في أغلب الأحيان، وبالتالي أصبح بإمكان أي شخص "يعتقد" بأنه قادرٌ على نسج القليل من الحروف، ويمتلك المقدرة المادية الكافية للطباعة أن ينشر ما يريده داخل مغلف على شكل كتاب، من خلال أي مطبعة خارجية بعيدة كل البعد عن دور النشر، مما يعني أن المادة لن تمرّ على مدققين لغويين أو نقّاد، لتخرج بعدها بنتيجةً مروّعةً" هكذا بدأت طالبة الإعلام سارة أبو الرب حديثها.
وتلقي أبو الرب جلّ اللوم والمسؤولية في مثل هذه الحالات على دور الطباعة والنشر، وتعزي ذلك لنقص المراقبين على السوق الأدبية، حيث ترى بأن الاستمرار في قراءة أمثال هذه الروايات ركيكة اللّغة وضعيفة المضمون ما هو إلا استخفاف بالقارئ وانتقاص من مسؤوليتنا تجاه لغتنا العربية، فبدلاً من الرقيّ بها يأتي هؤلاء ليكسروا جميع قواعدها ويفقدوها جماليتها.
وتتابع أبو الرُّب :"لا شكّ بأنّ للتعليم المدرسيّ والجامعيّ دوراً كبيراً في إضعاف اللغة لدى فئة الشباب؛ فتطور اللّغة لدى الفرد مرهون بمدى ارتباطه وعلاقته بها، لكنّ المؤسف أن المدرسة والجامعة تكرّهاننا بها بسبب اعتماد أسلوب التلقين وتهويل موضوع القواعد النحوية بصورة مبالغ فيها، علماً أنّه بإمكانها أن تكون كشربة الماء بالنسبة للطالب لو دُرّست كما يجب، فاللّغة كالموسيقى، تعبّر عنا وعن مشاعرنا ومن يحبّها سيستمتع بها. كما يطول اللّوم الأهل أيضاً، فمن واجب الوالدين غرس حب المطالعة في الأبناء منذ صغرهم".
في السياق ذاته أفادت طالبة اللغات مي حمدي من نابلس: "لم تعد الكتابة بهدف الثقافة أو نقل فكرة سامية للآخرين، بل باتت في كثير من الأحيان تهدف إلى مواكبة الموضة الدارجة بين أبناء هذا الجيل الصاعد، وأنا أثق تماماً بأن جميع الكتب والروايات تحتوي على رسائل هامة للمجتمع حتى ولو كانت بسيطة، لكنّ اتجاه الشباب نحو الكتابة في الوقت الحاضر يتمحور حول الروايات التي لا تحمل أيّ معنى ولو كان ضئيلاً، حيث يتم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وخاصّةً الفيسبوك ومن ثم تلاقي صدىً واسعاً وبالغ الانتشار بين أوساط المراهقين".
وتردف حمدي :"عدا عن ذلك، أضحى الأهم من تأليف الرواية وتنقيح فحواها هو مشاركة الأصدقاء فيها عبر "الفيسبوك"، حيث توضع الرواية قيد التجهيز بجانب فنجان قهوة أو شاي ويتم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعني (شوفوا هيني فهمان وعم بكتب قصة) ومشاركة بعض الفقرات المقتطفة من الكتاب ليؤكد على أنّه مثقّف".
وتؤكد حمدي أنّ الهدف الأسمى من تأليف الروايات أو الكتب هو الانتقاء الصحيح لموضوعها، فلا يهم المدّة التي يستغرقها الشخص في الكتابة والتنقيح، بقدر أهمية الفهم والتحليل وربط الأحداث والشخصيّات بالواقع.
أما مدرس اللّغة العربية في جامعة النجاح الدكتور جبر خضير فيقول عن هذه الظاهرة: "إنّها إيجابيّة؛ فهي تدلّ على قدرة هذا الجيل على الكتابات الإبداعيّة والتي أقوم شخصيّاً بتشجيعها، كما يُعرض عليّ الكثير منها بحكم اهتماماتي الأدبيّة والنقديّة وأستقبلها بكل صدر رحب".
ويضيف الدكتور خضير: " في هذا الجانب لا يمكن الجزم بأن جميع الأعمال الأدبية ناجحة أو جميعها فاشلة، لكن يجدر بنا القول إنّ هناك صنفاً ينتج أعمالاً متميزة وتتمثل في نصوص ناضجة تدلّ على امتلاك أصحابها لحصيلة قرائيّة وثقافيّة متنوّعة، وصنف آخر من الشباب والشابات يكتبون حروفاً ضعيفة على المستوى الفنّي واللّغوي والموضوعي والأسلوبي، وأنا شخصياً عندما أستلم عملاً وأراه ضعيفاً، أرجع هذا الإنتاج الأدبي إلى صاحبه بعد تنقيحه وأنصحه ألا يتعجّل بنشره وأن يقرأ كثيراً خاصة في الأدب التراثي والروائي، أما الصنف الثالث فيقع بين هذا وذاك".
ويتابع: "لهذا السبب لدينا في الجامعة لجنة ثقافية ننصح كل من يريد الكتابة أن يذهب إليها، ليعرض أعماله الأدبيّة أمامها، والتي تقوم بدورها بتصحيح أخطائه ونقدها حتى تصبح أعماله ناضجة وتستحق النشر، ومن هنا نحن نطالب بالاهتمام باللّغة العربية على مستوى المدارس والجامعات، ونسعى لاهتمام أكثر بالأدب العربي والندوات الثقافية المدعّمة له؛ حتى يتمكن من يملك الرغبة وملكة الكتابة أن يبدع فيها مستقبلاً".
من جانب آخر تقول الكاتبة الناشئة هديل قاسم من طولكرم: "لم أهدف من كتابتي الحصول على الشهرة أو مجاراة الموضة كما يدّعي البعض، ما دفعني للكتابة فعلياً هو قصص الحب التي كانت تصلني من مراهقات أعمارهن لا تتجاوز الثمانية عشر عاماً، فقررت أن أخط روايتي "شبهة" لتبعدهم عن خرافات الحبّ وأكاذيبه، وقد توقفت فترة طويلة وأنا أنسجها لأنني شعرت بفشلها، لكنّ رسالة من فتاة صغيرة دمّرت أحلامها كلمات شاب تسلّى بها أثّرت في نفسي كثيراً، فعدت لأكمل روايتي، التي تجسّد قصصاً واقعية تعبّر عن مشاعر أي أنثى، وهدفي منها أن تكون طوق النّجاة لقرائها من أي علاقة وهميّة قد تحيط بهم".
وتكمل قاسم:" تعرّضت لانتقادات عديدة، وللأسف قلّة من الناس كان نقدهم موضوعي وبنّاءً، فمعظم التعليقات المحبطة وصلتني من أشخاص لم يقرؤوا سوى بضع صفحات من قصتي ليحكموا أنّها مجرّد قصّة حب عاديّة، ومنهم من اتهمها بأنها بعيدة عن مجتمعنا الشرقي، والقسم الآخر حكموا علي لمجرد أنّني كاتبة مبتدئة وبالتالي ستكون روايتي على غرار أحلام مستغانمي، ومنهم من تهجّموا عليّ شخصياّ وليس على الرواية وحاولوا كثيراً إحباطي؛ ربّما بسبب غيظهم من التفاعل الكبير على حسابي الشخصي على الفيسبوك أو لأنّ الرواية حقّقت نسبة مبيعات عالية جداً".
وتتابع: "قد يكونوا محقّين بانتقاداتهم، لكن كلّ إنسان يستحق فرصة بالبداية فلا أحد يستطيع تقديم عمل أدبيّ متكامل من أوّل تجربة، أمّا من يفكّر بالكتابة من أجل الّشهرة فقط، فهؤلاء بكل تأكيد لن ينجحوا؛ لأنّ الكاتب صاحب رسالة ولديه أفكار ومبادئ يريد إيصالها للآخرين، ولا يتوجّب عليه التفكير بالنجاح بقدر الفشل؛ فنشر رواية لا يعني بالضرورة تميّزها".
في السياق ذاته توضّح الكاتبة شذى غضيّة من قرية بيتا: "أعتقد أنّ نسبة الكتّاب تزداد بشكل طردي مع التطوّر التكنولوجيّ، فهما وجهان لعملة واحدة، حيث إنّ القدرة على التواصل الإلكتروني والانفتاح على العالم الخارجي والتعبير عن الرأي تساعد على صقل موهبة الكتابة، بالإضافة إلى القراءة طبعاً".
وتضيف غضيّة: "لا يمكنني أن أذمّ الكتابة ولا أن أمدحها حتى لا أكون محبطة ولا مشجّعة على الكتابة غير الهادفة، لكني أؤيد دائماً التعبير عن الرأي من خلال إخراج مكنونات الشخص عبر الورق، بشرط الابتعاد عن الطرق المبتذلة والمصطنعة وصف الحروف غير الهادفة بجانب بعضها البعض، كما يؤسفني القول إنّ أغلب الكتابات هذه الأيّام لا تمت للأدب الراقي بصلة مقارنة مع الأدب القديم، بل هي موضة ممزوجة بالنّهضة الثّقافية، وطالما هناك مصفّقين فستجد الإعلام يصوّر الأيادي المصفقة لمن لا يستحقون".