تشدني تلك القمم العالية التي تترامى على أطراف بلدتنا، ولي معها ذكريات جميلة، وما أن أبدء الحديث عنها حتى أشير بشكل تلقائي بيدي إلى الأعلى، وهذا ما تساءل عنه بروفيسور أمريكي جاء ليجري أبحاثاً عن الاستيطان في بلدتنا، "هل أصبحت هذه الإشارات التي يطلقها الفلسطيني عند حديثه عن المستوطنات حالة نفسية؟"
لا أدري هل هذه الإشارات حالة نفسية أم لا، ولكنني متأكد بأن رؤيتي لهذه الأجسام المشبوهة على قمم جبالنا تترك في نفسي غصّة.
كان عمر أحد الأسباب التي تزيح تلك الغصة، فجسده الضأيل وسني عمره ال12 والإرادة التي يحملها عقله الطفولي والتي أقنعته بأنه أقوى من ذلك الجندي الذي يعتلي قمة الجبل ويرميه وأصدقاءه بقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، ورشات من الرصاص التي تعطي عند اختراقها للوادي صدى يشد الانتباه.
أما الرصاص كاتم الصوت الذي يطلقه القناص، يصدر صوتاً خافتاً نتيجة احتكاكه مع الريح، صوتاً يشبه انطلاق السهم، وغالباً ما كان يتبعه صرخة لأحدهم نتيجة إصابته بها فرصاصة القناص "التوتو" نادراً ما تخطئ هدفها. كل ذلك لم يمنع عمر ابن 12 عاماً من صعود الجبل ليلقي الحجارة في وجه الجنود الذين لا يبخلون بنيرانهم وقنابلهم.
حدثت الكثير من المواقف أثناء صعودي إلى الجبل لتغطية المواجهات التي كانت تندلع في الهبة الأخيرة، ولعل أشدها رسوخاً في ذاكرتي كان لحظة وصولي لشارع عابر بيت فوريك، استقبلني هناك عمر! وكان وجهه الصغير محمراً بشدة، جمعت أنفاسي بسبب صعوبة الطريق وسألته ماذا أصابك؟
قال: لا شيء ارتطمت بوجهي قنبلة مسيل للدموع..
أشار إلى قمة جبل "القعدة" جنوبي بيت فوريك وصعد إليها من جديد، قلت له: ألم يُسعِفكَ أحد؟
لم يجب ولم يلتفت، ولم تكن هناك سيارة إسعاف في المكان. ذهب ليكمل رَقَصاتِه، فأنا أسميه وكلّ أطفال الحجارة "الراقصون مع الذئاب".
الكاتب: علي حنني
المحرر:
* هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دوز. عمر اسم مستعار.