facebook logo instagram logo youtube logo X logo soundcloud logo telegram logo

في أرض الجمال التقينا

لقاء ربما كان قصيراً، جمع بين الشاب محمد وهابي (21 عاماً) من قرية تل، بشابة فلسطينية وعجوز على شاطئ عكا، إلا أنه حمل الكثير من الألم والحلم بالعودة إلى الديار. يرحب دوز بنشر نصوصكم الأدبية.

في أرض الجمال التقينا

وقفت ثابتاً أمامها وكأني جذورها منذ ألاف السنين. كان جمالها شيئاً لا يصدق. كانت أول مرة أقف أمام شيء بهذه الروعة، وهي تنظر لي وكأني حبيبها الذي قطع وصلها.

مؤلمة هذه النظرات، تجعل منك ورقة سقطت في الربيع، لكني ثابت وعيناي أكثر ثباتآ من ذي قبل. أتساءل أين أنا من كل هذا، كيف عشت؟ وكيف كنت أنهض كالرجل بعيدآ عما أنظر إليه الآن؟ انتفض جسدي وتحركت عيناي وقررت أن أخطو كالرمح، يعرف تماماً أين يذهب. دخلتها وأصبح صدري يأخذ شهيقا أكبر ويرفض أن يستسلم للزفير، فهذا الهواء مقدس ممزوج بالبحر والرمل والبيوت العتيقة وذكريات أليمة. دخلتها بكل ما فيّ من حب وما أجمل حبها! إنها عكا عروس البحر.

مشيت باتجاه البحر على رصيف عتيق ووجدت مقعداً قربه لافتة مكتوب عليها بالعبرية، أظنها أسم الشارع. بالقرب من المقعد عجوز مقعدة تبلغ من العمر التسعين أو أكثر، برفقتها شابة تحمل الجمال العربي بشعرها الأسود وعينيها الواسعتين باللون البني. لم أستطع وأنا أمامهما إلا أن أقول: "إنتوا من هون؟". ‎حينها رفعت العجوز رأسها ونظرت إلي نظرة لم أرَ مثلها في حياتي، كانت نظرتها يملؤها الفرح والخيبة معاً!

‎وفي لحظة ما نظرت عيناي إلى عنق العجوز، فرأت مفتاحاً يملؤه الصدأ متروكاً على صدرها منذ زمن. أدركت في وقتها كل الأجوبة وقلت في داخلي بصمت كبير: "لاجئة".

‎سمعتها تقول: "إحنا من كل مكان بفلسطين يا ستي"، فأجبتها: "الله يديم فلسطين لأهلها يا خالتي".

‎في ذات اللحظة رفعت الفتاة رأسها وعلى وجهها ضحكة عفوية. ارتعشت أنا وكأن شيئاً ما ذاب في قلبي. ‎قالت: "إحنا من مخيم نور شمس طولكرم".

-"وأنا من نابلس اسمي ماجد".

- "طلعنا ضفاوية زي بعض".

‎وجاء صوت العجوز مثل وقوع صخرة ما "بس أنا من عكا". ‎كانت كلماتها مثل موج البحر، قوية وصادقة. خيّم الصمت قليلآ وبدا لي صوت البحر أكثر وضوحاً مع شيء من التمتمات العبرية. ‎عاد صوتها وعادت الرعشة وكأن شيئاً ذاب في قلبي أيضاً.

- "أنا اسمي لميس. جيت مع ستي عشان ندور ع دارها".

‎- "واضح إنكم ما لقيتوا الدار".

وجاء صوت العجوز مرة أخرى، لكن كان أكثر حزناً وخيبة

-"ولادين الكلب مغيرين كل أشي. دورنا كثير بس عبث. خليهم يغيروا تا يشبعوا، قلوبنا وعقولنا ولا عمرها بتتغير. هالمفتاح رح يضل يدور على بابه لحتى يلاقيه". ‎بعد هذه الكلمات عرفت جيداً أن لا قيمة لرجولة الإنسان مهما كان، أي رجولة؟ وهي هشة أمام حلم هذه العجوز، لماذا حلم؟! إنه حق مسلوب. إن لم نستطع إرجاع حقنا المسلوب فنحن نتصنع الرجولة تصنعآ عبثيآ لا أكثر.

‎وجاء صوت لميس يقول: "أنت ليش هون".

- "إن بيني وبين عكا قصة بطلها غسان كنفاني".

‎تنفست لميس، وقالت: "إن غسان بطل كل فلسطين وحروفه قالت ما لم يقال. ستبقى رصاصة تقبض على أنفاسهم". ‎ثم جاء صمت رهيب، لم أسمع سوى هدير أمواج البحر. ‎هذا البحر كلما سمعته أشعر بالعجز يأكل رأسي قبل جسدي. ‎ماذا عن هذه العجوز المقعدة التي كان هذا البحر ملجأها في طفولتها وشيء من شبابها؟ أي وجع تحمله؟! إنه شيء قذر أن يأتي صعلوك ليأخذ أحلام طفولتك وشبابك. ‎ولميس بماذا تفكر؟ ‎هل هي الأخرى تحمل نفس الوجع؟ ‎أم أنها تستمتع بمنظر لم تر مثله في المخيم؟

قلت بصوت خافت: "هذا البحر لي. لماذا أنا بعيد عن جماله؟". ‎ورفعت رأسي وصوبت نظري نحو لميس وقلت بصوت أعلى: "هذا البحر لنا. لماذا نحن بعيدون عن جماله؟". ‎كان رد العجوز أسرع وأصدح: "خذلناه يا ولدي. تركناه للمعتدي. أشبعتنا صوره ولم نحاول النوم على رمله". ولميس كما هي تتابع البحر بصمت يتغلل تنهيداتها. أتساءل بماذا تفكر، ثم جاء صوتها تتغله بحة "أنا الآن على قيد الحياة.. على قيد الوطن. ستي عاشت سنين بهالحياة بعدها تهجرت ع الموت، ولأنه شوقها أكبر من الموت ضلت صامدة وبدها تضل هيك. بس إحنا الي راحت علينا، إحنا الموت أكلنا. من يوم ما انولدنا عايشين على حكايات ستي، على الصور، على تصريح صغير لحتى نفوت على هالحياة".

‎لا أنكر أن كلماتها أصابتني بألم من رأسي وحتى قدمي. أحسست بأنني نكرة، لأن لي شيئاً في هذه الحياة ولم أقم. عشت مكوماً كالحجارة مخدرا بشيء أسميناه الأمل. جاء صوتها وأفاقني من نوبة الخذلان التي نخرت عقلي "لو الزمن يوقف وأضل هون وانعجن بهالتراب". ‎وجاءت دموع العجوز أكثر مرارة وحسرة، أعادتني لخذلاني وعجزي.

‎أمسكت لميس العربة، أدارتها وأصبح ظهرها لوجهي وقالت وعيناها باكيتان: "يلا نشوفك على خير".

‎- "وين؟".

- "بدنا نلحق ننزل على القدس نصلي ونروح".

- "ادعولي وادعوا لهالبلد".

‎- "هالبلد بدها دعوة ورجال تقاتل عشانها".

‎وبدأت العجلات تتحرك وتبتعد لميس شيئاً فشيئاً وصوت البحر يعلو أكثر فأكثر. قلت في نفسي: "لماذا أستسلم؟ لماذا لا أصلي بالقدس أنا أيضاً ولا أرى بالقدس إلا عينيها؟"، ومشيت أتسابق مع دقات قلبي عازماً على أن أرى الأقصى وعينيها.

 

الكاتب: محمد وهابي

المحررة: سارة أبو الرب

الصورة البارزة: بسمة معالي

* هذا النص لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز

2016-11-03 || 16:05

مختارات

وين أروح بنابلس؟

كانون الثاني 2026

غائم بارد نسبيا حار مرتفع جدا

أسعار العملات
الدولار الأمريكي
الدينار الأردني
اليورو الأوروبي
2.75
4.69
3.91