نازعني دوما شيء من الشك في أن التعبير الشعبي (يتبغدد)، بمعنى يتكبر ويتجبر، مأخوذ من اسم بغداد المدينة، كما تفترض الغالبية، وكما تفترض أيضا أغنية كاظم الساهر: تتبغدد علينا واحنا من بغداد/ العب غيرها يا حظرة الأستاذ. فالقواميس الأقدم لا تتحدث عن الربط بين بغداد والتبغدد بمعنى التكبّر. بل تفهم (تبغدد) على أنها تعني: تشبه بأهل بغداد، او انتسب إلى بغداد. وهي بهذا المعنى تتردد كثيرا في الأدب العربي: (البغدادي إذا تخرسن [صار خراسانيا] كان أحلى وأظرف من الخراساني إذا تبغدد [صار بغداديا]) (التوحيدي، الصداقة والصديق). لكن تبغدد بمعنى تكبر وتبختر وتعجرف، لا ترد إلا في الكتابات المتأخرة.
وقد حسم موضوع الربط بين اسم مدينة بغداد وتعبير (تبغدد)، بمعنى التكبر، سلبيا في ذهني حين ساعدت الأستاذ سليم تماري في تحرير اليوميات المدهشة للشاب المقدسي إحسان الترجمان، التي كتبها أثناء الحرب العالمية الأولى، خلال العامين 1915- 1916، ولم تكتمل لأن كاتبها قتل قتلة فاجعة قبل أن تنتهي الحرب. وقد نشرت اليوميات في كتاب عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان (عام الجراد). فحين طُلب إحسان للخدمة العسكرية وذهب للتدريب في المدرسة، عينوا عليه وعلى زملائه، كما أخبرنا، (بغدادا)، من الطلبة العسكريين الأقدم، أي مراقبا مشرفا يشبه (عريف الصف). وليس بين يدي الكتاب الآن كي أحيلكم إلى اليوم والصفحة.
بالتالي، فالبغداد تعني: المراقب بشكل عام. وأظن أن الكلمة تنطق بضم الضاد (بُغداد) لا بفتحها. وعادة ما يكون هؤلاء البغاديد أشد على مرؤسيهم من الرؤساء الأصليين، وأكثر تجبرا واستبدادا، الأمر الذي يجعلهم مكروهين ممقوتين. ومن هنا، من هؤلاء البغاديد، انتشر في ظني التعبير الشعبي: (يتبغدد علينا)، أي يتأمّر ويتكبّر ويتجبّر. عليه، فالتبغدد، بمعنى التكبر والتأمر والتعجرف، مأخوذ من بُغداد بضم الباء. أما التبغدد من التشبه بأهل مدينة بغداد، فمأخوذ من بَغداد بفتح الباء.
بناء عليه، فتعبير يتبغدد علينا: يعني يـتأمر علينا ويتسلّط.
هذا ما توصلت إليه، لا أمّر الله عليكم بُغدادا متعجرفا، ولا حاكما جائرا.
الكاتب: زكريا محمد
المحرر: عبد الرحمن عثمان