facebook logo instagram logo youtube logo X logo soundcloud logo telegram logo

هذه رقبتي ممدودة بسخاء يا أمي

حتى يومنا هذا، ليس غريباً أن يطلب شخص من صاحب دكان "علبة سلفانا"، قاصداً بذلك علبة شوكولاتة، فالسلفانا في وعي الفلسطيني هي رمز لأي نوع من الشوكولاتة. الكاتب زياد خداش يستعيد ذكرياته مع السلفانا.

هذه رقبتي ممدودة بسخاء يا أمي

التسلل إلى غرفة الأب والأم بعد منتصف الليل، وضع كرسي قش تحت الخزانة ثم الوقوف عليه ومد اليد المرتجفة وغرف (ملء اليد) حبات الشوكلاته اللذيذة، ثم التهامها نصف مهضومة ونصف مبلوعة في نفس اللحظة ونفس المكان وقوفا، ودفعة واحدة، ثم العودة بهدوء على أطراف خوفي إلى فراشي في غرفة أخرى وتلمّظ بقايا الشوكلاتة حتى الحصة السابعة في المدرسة.

تفقد أمي لسبب ما الكرتونة في صباح اليوم الثاني، هجومها الشرس على رأسي ورقبتي بالشبشب البلاستيكي الصلب، وكلمة واحدة تتطاير من فمها كالشرار: مفجوع مفجوع مفجوع.

لم تكن تلك المتعة الحسّيّة الخارقة تأتي من مذاق الشوكلاتة الخرافي فحسب، عرفت ذلك فيما بعد. كان هناك غضب شبشب الأم صيحاتها القوية ومطاردتها لي ركضا بين الغرف، والحصار الصارم المفروض على الكرتونة، وتضامن قش الكرسي المجدول بصرامة مع لصوصية باطن قدمي، وفعل التسلّل الليلي اللذيذ، والعودة آمنا ومنتصرا ومتلمظا، إلى فراشي.

حدث هذا قبل أربعين عاما

الآن في زمني هذا  الفقير والمضطرب لم يعد هذا يحدث. طعم المتعة الخارقة اختفى، فشوكلاتة السلفانا لم تعد موجودة بعد إقفال مصنعها، قبل سنوات عديدة. أمي لم تعد يدها قادرة على رفع الشبشب. كراسي القش اختفت. لم يعد هناك شيء يسـتأهل التسلل الليلي، ولم تعد هنا عودات آمنة بطعم انتصاري إلى الفراش. زارتنا جارتنا أم جمال، قبل أيام محضرة معها علبة (مارس)، رمت أمي العلبة على الطاولة، قرب كرسي بلاستيك، لم يقترب منها أحد.

ارتفعي يا يد الأم، عاليا ارتفع يا صوتها، اسرعي يا أقدامها، هذه رقبتي ممدودة بسخاء، وهذا أنا كاملا بخمسينيتي أفدي قدميك وصوتك ويدك برقبتي وشوكلاتتي وأمان انتصاراتي.

 

الكاتب: زياد خداش

المحرر: عبد الرحمن عثمان

*هذا النّص لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر دوز

2017-01-11 || 11:23

مختارات

وين أروح بنابلس؟

كانون الثاني 2026

غائم بارد نسبيا حار مرتفع جدا

أسعار العملات
الدولار الأمريكي
الدينار الأردني
اليورو الأوروبي
2.75
4.69
3.91