كأَسٌ من طين (5)
إن يدَّي صغيرتان؛ لا تجديان نفعاً، الحزانى يقصَّون أصابعهم كلّما كانت تنمو خوفاً من عدِّ خيباتهم المتتالية.
يرتدون ثياباً نائمة لا تفيق أبداً. يرافقون الجدران ليصبحوا أبناءً لها. يقضون جُلّ وقتهم خلف شاشة التلفاز يدّسون لقطاتٍ سينمائية بجماجم تالفة. يسمعون قصةً تُعاد على مسامعهم للمرة الألف. هم أشبهُ بالكرة؛ فراغٌ بداخلها، خدوشٌ بالخارج، ارتطامٌ، سقوطٌ، وركنٌ مهجور تنام فيه.
كأَسٌ من طين (6)
عدتُ بخُفيَّ حنين؛ لم أستطع حتى رؤيةَ الغرباء هناك، الشوارعُ مُبتلة، ثمةَ أكياسٌ تترنحُ في الخلف، ونوافذ تَسعُل.
أكرهُ صوت الريح؛ إنه يشبهُ صوت أبي الغاضب. أكرهُ أَيضاً رائحةُ الخوف، العددُ ستة، شهر أكتوبر، وكل الأَسماء التي ماتتْ بذاكرتي.
لبثتُ خارجاً تلك الليلة، أَترقبُ ضوءاً يلتفتُ إليّ على حين غرّة، لكن صمتًا مبالغًا فيه قد طغى على المكان.
ساعةٌ ونصف بلا ذاكرة. أرتجفُ وِحدةً. أسوأُ ما في الأمر الانتظار. قال لي جدُّ جارنا إنه أمضى ستين عاماً في انتظار قدمهُ؛ كانوا قد بتروا جزءاً منها وهو يحلم.
كأَسٌ من طين (7)
هرِمتُ باكراً؛ كنتُ كلَّما حلَّ المساء أتحولُ لوسادةٍ بنوافذ كبيرة، أَظلُ أبتلع كؤوساً فارغة، أرممُ كتفي مُهشم الرأس، أنفضُ غباراً عن صورةٍ قديمة، إلى أن يطلَ الصباح؛ أرتدي وجهاً مبتسماً، وأغني كبلبلٍ حزين.
الملحُ العالق على شفاه ذاكرتي يخدشُ خاصرة طفلٍ لقيط وجدوا في جيوبه الصغيرة فراغاً كبيراً، وجداراً له قدمان. تارةً يكون على هيئة ورقةٍ فارغة، وأخرى يصيرُ مسبحةً في يد رغيفٍ جائع.
كأسٌ من طين (8)
مرةً اختلستُ النظر لامرأةٍ تبتلعُ ثوبها كل مساء؛ تغني لخزانةٍ عتيقة، تطهو لقطةٍ عمياء، تُحولُ ذراعها لمقصٍ يأكلُ من سواد رأسها. كلّما بكتْ تنام على الحائط مع صورةٍ مُعلقةٍ هناك. تظلُّ تلدُ غباراً حتى الصباح.
كحائطٍ وحيد يسندُ اعوجاج رأسهِ على كتفٍ مثقوبَ الأوجه. أرى النهار من بعيد. أظلُّ أحدثُ مسماراً فولاذياً بأُذنين كبيرتين لا تتسعان لصوتٍ واحد. أتمنى أن أتحولَ لصورةٍ مبتسمة بأربعة أطرٍ وذكرى.
الكاتبة: ميساء سالم
المحرر: علي حنني