أقواس منتظمة وزخارف تخللت كنفات الحجارة العريقة. وأدراج وسراديب شطرها اللون لنصفين، فغدت كلوحة مخضرمة. وأشعة الصباح الذهبية، التي تلقي تحياتها على زوايا المكان، كلها إيقاعات تنسجم بإبداع في ذلك المعلم الفلسطيني القاصي في الذهن والخيال، والداني بجغرافيته.
قصر الكايد، الذي يتوسط بلدة سبسطية، كنز فلسطين الأثري الذي لا يزال شاهداً على الأحقية الفلسطينية بالأرض. يتجاوز عمره الـ300 عام، والذي كان مقر الحكم لقرى الكراسي في العهد العثماني، التي تكونت من 30 قرية من بينها سبسطية. ويقول مدير القصر والناشط المجتمعي أحمد الكايد: "تراثنا هوية لنا وحفاظنا عليه ما هو إلا دفاع عن أحقيتنا وتأصلنا بالأرض". ويضيف الكايد، "القصر معلم مهدد من قبل اليهود كباقي آثار سبسطية، وذلك لوقوعه في المنطقة (ج) وتقسيم المنطقة".
[caption id="attachment_29285" align="alignnone" width="960"]

رممت الوكالة السويدية للتنمية والتعاون الدولي بين مركز رواق واتحاد لجان المرأة قصر الكايد عام 2007[/caption]
ترميم القصر بعد هجره لـ50 عاماً
وقد ظل القصر مهجوراً لـ50 عاماً قبل أن يتم ترميمه في المرحلة الأولى، إذ تركه أولاد مؤسسه الشيخ أحمد الكايد في القرن التاسع عشر، لكبر أسرهم ورغبتهم بالتوسع. وتقول ممثلة نادي لجنة المرأة الشبابي في سبسطية عناية الكايد: "لقد كان المكان شبه آيل للسقوط ومقصداً للدواب قبل أن يرمم في المرحلة الأولى عام 2007". وتضيف، "تعرض القصر لمرحلتي ترميم بإشراف مركز المعمار الشعبي (رواق)، إذ تم تمويل المرحلة الأولى من الوكالة السويدية (سيدا)، والتي غطت 170 ألف دولار، إلا أن القصر أكبر من نسبة الأموال المغطاة". والمرحلة الثانية من الترميم كانت عام 2011، بإشراف "رواق" وبمساهمة 10% من أفراد عائلة الكايد المشرفين عليه، والتي تم تغطيتها من ريع الفندق.
ويقول أحمد الكايد حول دور وزارة السياحة والآثار في ترميم القصر "لم يغب الدور الشخصي لوزارة الآثار في دعم الترميم والإشراف عليه وإرسال خبراء الترميم والمسح"، ويضيف "على الرغم من ذلك، إلا أن الوزارة لم تعط مناطق الشمال الاهتمام والتوجيه السياحي كما في الجنوب".
ويؤكد أحمد الكايد على دور بلدية سبسطية في دعمهم، فيقول "أبدت بلدية سبسطية دعمها لنا من خلال التعاون بالأنشطة وتغطية مبالغ مخططات الترميم، التي وصلت لـ10 آلاف دولار". ويتألف القصر البالغة مساحته 870 متراً مربعاً من طابقين وست غرف تابعة للفندق، وفناء مكشوف مساحته 100 متر مربع وأماكن بجدران القصر، كانت مخصصة قديماً لتخزين الزيت والحبوب، وأماكن أخرى للمشاغل.
قصر الأنشطة وتمكين النساء
بيت للضيافة ومجمع للنشاطات النسوية والشبابية وفندق غرفه تمثل لوحة تراثية بطرازها، هذا ما بدا عليه القصر بعد ترميمه وإشراف نادي لجنة المرأة الشبابي في سبسطية عليه. وتقول سماح الكايد المشرفة على مشروع نساء تدير المقاصف المدرسية: "مشروع المقاصف المدرسية هو مبادرة لزيادة إنتاج النساء وتفعيل دورهن في المجتمع، فالعائد للنساء يشمل أجورهن والضمانات".
وتضيف الكايد، "تم تشغيل المشروع منذ ثلاث سنوات ليشمل ست مدارس موزعة بالتساوي بين بلدتي برقة وبيت مرين". وتابعت، "صناعة الصابون وبيع المطرزات وعقد دورات لتمكين الشباب والتعاون مع مركز الخدمة المجتمعية هي مشاريع أخرى يشرف عليها النادي".
كما يوضح أحمد الكايد أن نشاطات القصر لم تقتصر على الدعم والجهود المحلية، إذ استطاعوا إنشاء توأمة مع مؤسسات أجنبية مثل هانويل البريطانية، والتي تسمى بأصدقاء سبسطية (حفصة)، التي تزور القصر ثلاثة مرات سنويا لإعطاء دورات مكثفة للنساء لتمكينهن وتوجيههن.
وما يميز القصر عن غيره أنه فندق وبيت للضيافة في البلدة، فتقول عناية الكايد: "أخذ قصر الكايد الترتيب الثالث في بيت الضيافة على الضفة، ولا زلنا نشجع السياحة الداخلية والخارجية على القصر من خلال الفندق، الذي يتيح المبيت ويوفر الخدمات للسياح المحليين والأجانب". ويضيف أحمد الكايد "يوجد رغبة قوية من أفراد الكايد وأهالي سبسطية بدعم القصر وتسويقه ليصبح قبلة للسياحة، ونحن بدورنا نعمل على تثقيف السياح الوافدين وتعريفهم بتاريخ فلسطين ومقاومتها عن طريق الأفلام والصور التي يزودون بها داخل الفندق ".
[caption id="attachment_30539" align="alignnone" width="960"]

تبلغ مساحة قصر الكايد الكلية 272 متراً مربعاً، بالإضافة لساحات بمساحة 170 متراً مربعاً[/caption]
القصر وخطر التهويد
"القصر جزء من منطقة الآثار المهددة في سبسطية، حيث يهدف اليهود لنقل القصص التاريخية والدينية لخارج فلسطين والعمل على تهويدها"، هذا ما ذكره أحمد الكايد حول محاولات اليهود بتهويد الآثار الفلسطينية وتهديدها. ويذكر الكايد "لقد حاول اليهود استغلال المواجهات مع الفلسطينيين لتشويه فكر السياح والناشطين الأجانب حول الفلسطينيين وتاريخهم الثوري والأثري"، ويضيف "وزع اليهود بروشورات للأجانب عن إرهاب الفلسطينيين وذلك عام 2013 في مواجهات فلسطينية وبها ناشطون أجانب بعد أن فتح المستوطنون مجاري مستوطنة شافي شمرون على أراضي المزارعين في البلدة".
وبدلاً من أن تنجح المخططات الإسرائيلية بتشويه فكر السائح أو الناشط الأجنبي، أصبحوا سفراء للفلسطينيين في بلادهم. وبالحديث عن أخطر الأمور المهددة لقصر الكايد والآثار في المنطقة بشكل عام يقول الكايد، "وجود مؤسسات فلسطينية لا تدرك قيمة تراثنا، ووجود مرشدين لديهم الرواية الفلسطينية مضللة ومشوهة، وأعياد اليهود التي تقام على آثارنا".
الكاتبة: رحمة خالد
المحررة: سارة أبو الرب