ذاكرةٌ معطوبة (6) مثل ساقٍ يابس؛ لا أرض تحمله. أتشبثُ بعابرٍ مرّ صدفةً. خزائنُ ذاكرتي تلعقُ الغبار، لكن الصور واضحةً كعين الشمس. تلك الأصواتُ أعرفها جيدًا. هنا بكاءٌ مطر دمعه كان يهرولُ مسرعًا، وهنا حزنٌ تجمَّد في مكانه، وهنا خطىً لأجسادٍ أذكرُ ملامحها، وهنا كان الفرح يراودني عن نفسي. كنتُ هناك كسمكٍ في بقعةِ ماءٍ مُلوثة، أطعموه ملحًا فمات وهو نائم.
ذاكرةٌ معطوبة (7) الأمرُ أشبه بحفلٍ موسيقيٍّ هادئ يقودهُ كمانٌ حزين، يصرخُ صامتًا، تصفقُ له الأيدي، يدٌ فوق يد، صفارةٌ تشجيعية من الحضور، يدُ فوق يد، يصفقون! نبّت له غصنٌ في أعلى رأسه، تمنى أن تمطر! يدٌ فوق يد، يصفقون! كان أنينُ حزنه مُلفتًا، والتنهيدة التي يزدردها مُرّة. إنه يرتدي وجهًا على وجهه، يبتاعُ مهرجًا من السيرك، ويئنُ.
ذاكرة معطوبة (8) على المرء أن يبتكر طريقةً ساذجةً ليصبح سعيدًا، مثلاً يتحولُ بين الفينة والأُخرى لشخصٍ آخر. في الصباح يكونُ حطّابًا يرسمُ في الهواء شجرًا ثم يتركُ فأسهُ وحيدًا هناك. وقت الظهيرة يصبحُ نحّاتًا، يأخذُ من وجهِ خمسينيّ بعض التجاعيد، ثم ينقلها بإتقانٍ على صخرةٍ صمّاء، فيما بعد سيكون جمالها حديث المدينة. بعد الرابعة عصرًا حتى منتصف الليل يؤدي دور جدارٍ في إحدى الغرف. قد ثقبوا صدرهُ بمسمارٍ هشَّ. كان سعيدًا قبل عامٍ من الآن.
ذاكرة معطوبة (9) غبارٌ ساذج امتد مثل يدٍ حانية تُرّبتُ على كتفٍ آيلٍ للسقوط. فراغٌ يلتفُ كأفعى، وجسدٌ في غَيابةِ جُبٍّ مظلم. ذاكرةٌ معطوبة فيها طيفٌ غريب، أصواتٌ مدسوسة كأنها ثيابٌ بالية، وحزنٌ مرّ كقافلةٍ في بلادٍ لا اسم لها. سنين مضت مهرولةً، وذاكرة كإبنٍ عاق يركل رأسه بعيدًا عن هذا العالم.
ذاكرةٌ معطوبة (10) ماذا لو كانت هذه المرةُ الأخيرة من كل شيءٍ مؤلم؟ المرةُ الأخيرة للموت، للحزن، لبكاءٍ طويل، للصدف، للرسائل المنسية، للأوغاد، وللحمقى الذين نلتقي بهم. ماذا لو كان بإمكاننا نزع الذاكرة من حيزها الضيق؟ سنصبح أفضل حالاً، ونتمتعُ قليلاً بالنسيان. هذا الوقت سيمضي مثل لصٍ عجول. ماذا لو أننا نستطيع استبدال رؤوسنا برؤوسٍ جديدةٍ أكثرُ تفهمًا؟ ونسج خيالٍ يليقُ بنا. إننا نملك ذاكرةً معطوبة لن يصلحها دهرٌ بأكمله.
الكاتبة: ميساء حسين
المحررة: سارة أبو الرب