لو أن فيروز التي يأتي صوتها مع إشراقة كل صباح تعلم بأمر "البوسطة" التي يركبها الأسير الفلسطيني كل صباح ومساء لما جادت بصوتها الساحر أغنيتها "على هدير البوسطة"، ولربما امتنعت عن غنائها لكي تعبر عن استيائها من عالم يدمر باستمرار أجمل المعاني. فالبوسطة هي من أهم أشكال العقاب التي تمارس ضد الأسير الفلسطيني يوميا، وهي عبّارة يتم من خلالها نقل الأسرى من سجن إلى آخر ومن السجن إلى المحكمة.
والبوسطة أثناء مرورها يراها العالم الخارجي حافلة سياحية فاخرة بكل ما تحمل الكلمات من معان، لدرجة أن المرء يتفاجأ من تلك الأقاويل التي تتحدث عن واقع الأسير المأساوي ويستغربها، فإذا كانت وسيلة نقل الأسير فخمة إلى هذه الدرجة فإن حياته داخل السجن مشابهة لها.
إن العالم الخارجي معه حق في كل تصور أو فكرة نشأت كنتاج لانعكاسات الحافلة الفريدة من نوعها، ومعه كل الحق أيضا لأنه عالم لا يمتلك سوى التصورات السطحية لتفسير الظواهر وانعكاسات عالم آخر، وهذه هي فطرته المؤلمة. هيكل البوسطة الخارجي يحاكي جميع أشكال الحضارة ويتلاءم مع تفاصيل الأشياء الخارجية بكل احترام ولكن كل ما لا يعلمه العالم هو أن كل شيء يحمل في ذاته نفيه، وهذا بالفعل ما يقترفه صانع البوسطة وسائقها بكل حماقة، فهي ليست سوى سجن متنقل، فخم من الخارج ومؤلم ومظلم من الداخل.
لا شيء للأسير الفلسطيني باستثناء إرادته الفولاذية ومقاعد حديدية ونوافذ حديدية سوداء وطقس حديدي، متجمد تارة وملتهب تارة أخرى. يبقى الأسير داخلها لساعات طويلة مقيد اليدين والرجلين. أمواج حديدية عملاقة تتلاطم بقسوة لتدل على أنها صنعت لكي لا ترحم المقيد، الذي يرتجف من قوة القوة ويرتجف بشدةأاشد عندما يدرك أن العالم الخارجي يحسده على وسيلة نقله السادية الفارهة من الخارج والحديدية القاسية من الداخل.
الكاتب: الأسير باسم خندقجي
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا النص لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز
الكاتب: الأسير باسم خندقجي
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا النص لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر دوز