خلال سفري مراراً وتكراراً ذهاباً وإياباً إلى الضفة الغربية، يسألني أصدقائي العرب والعجم "كيف تسافرون إلى فلسطين؟". يظن بعضهم، خاصة العرب، بأننا نملك مطاراً في فلسطين ونسافر جواً مثل البشر، ولا يعلمون أننا نحلق، لكن بأسلوب استعماري سافل، لذا قررت أن أشرح طريقة سفر شعب الضفة الغربية، ولكي يستفيد منها المسافر الفلسطيني الجديد.
بداية أعزائي عليكم أن تحددوا تاريخ السفر، لأن بعض الأيام تكون المعابر مكتظة بالمعتمرين أو عيداً لليهود، ولا ننسى طبعاً يوم العطل (نص دوام) الجمعة والسبت. قبل أن تخرج من منزلك وبعد ترتيب أوراقك وتصاريحك ووضعهم في حقيبة صغيرة مخصصة لهذا الغرض - احرص على أن تكتب عليها اسمك ورقم هاتفك - تتكل على الله وتحجز مع مكتب سفريات.
عند وصولك إلى استراحة المعبر الفلسطيني الأول، وبمجرد أن تحط السيارة رحالها ويستقر الباب الخلفي عند أيدي عمال الرفع والتنزيل (العّتالة)، يبدأ الجميع بممارسة هواية الجري، ويحضر المغادرون (الفكّة) لدفع رسوم الطرد والراكب، الطرد ثلاثة شواكل و13 للراكب، والقليل من الشواكل للعتالة أمراً لا فضلاً.
عليك أن تحرص على تذاكر السفر ووضعها في الحقيبة الصغيرة كي لا تضيع، وأنصح بفصلها عن الجواز والهوية والكرت الأخضر والتصريح، لأن الحقيبة الصغيرة ستمتلئ قريباً بجميع مقاسات الأوراق والتذاكر والمستندات.
بعد ذلك، تتوجه الجماهير جرياً إلى شباك ضريبة المغادرة لدفع 155 شيكلاً، وعلى إثرها يُلعن المسؤول عن الضريبة من المسافرين وتسمع أصوات الاحتجاجات من قبلهم. ومن يستطيع إنهاء هذه الإجراءات يذهب مسرعاً ليجلس في أول مقعد بجانب رجل الأمن ليسمح له بالدخول إلى منطقة ختم الجواز.
طبعاً أود أن أنوه إلى أنه لا قيمة لأي رقم أو طابور. كل هذا الجري ولم يفتح كاونتر الجوازات بعد، ولا وجود لأي موظف. يأتي الموظف لتبدأ الجماهير بالدخول والتدافع لكي تنهي تسجيل جواز سفرها. لم تأتِ الحافلة بعد، لكن الجماهير على عجلة. المصيبة أنني أجري معهم، لا أعلم لماذا لكنني أتأثر بطاقتهم الإيجابية.
المرحلة الثانية: التفتيش الإسرائيلي
بعد أن تأتي الحافلة نهجم عليها. واحذر عزيزي من عجلة الجماهير، فربما تصاب بتمزق بإحدى قدميك أو التواء كاحل كحد أدنى. والمراقب لهذا المشهد يظن أن الحافلة ستصعد بك محلقة إلى الأردن الشقيق! تتحرّك الحافلة لمدة ثلاث دقائق لتقف قبل أول نقطة إسرائيلية، فيصعد شخص لأخذ التذاكر. هذا الشخص معروف عند كل المسافرين، لأنه قديم جداً في هذه المهنة.
بعد ذلك، نذهب إلى أول مرحلة تفتيش إسرائيلية. ننزل ومن ثم نمرٌّ عن جهاز تفتيش ثم تركب بنفس الحافلة، وغالباً ما تخسر مقعدك.
الآن نتوجه إلى ثاني نقطة إسرائيلية، طبعاً بعد انتظار طويل داخل الحافلة، ولك أن تتخيل فترة الانتظار ومرارتها وأصوات بكاء الأطفال من جميع الاتجاهات. وأنصحك بعدم فتح فمك، لأنك ستبتلع ثلاث ذبابات على الأقل مختلفة الأحجام، أو ستشعر بأن شيئاً دخل فمك. الجميل في فترة الانتظار أنك ستتعرف على صديق جديد، وغالباً سيكون من الخليل.
عند سماح المجندة الإسرائيلية للمسافرين بالنزول، تنزل الجماهير وفي استقبالها أول جهاز لتفتيش المعادن. وكم أكره من ينتظر إلى أن يصل إلى الجهاز لينزع الأحزمة والمجوهرات من على جسده، فليس هناك إلا جهاز واحد متوفر في دولة إسرائيل. وبعد أن تجتاز الجهاز بنجاح تأتي أصعب مهمة، وهي أن تلبس وتلملم أغراضك المعدنية وتجهز جواز سفرك من الحقيبة الممتلئة بالأوراق وتجري للحاق بالصف الطويل، وهنا سأعلمك حيلة خبيثة أتبعها للهروب من الوقوف بالصف، عليك أن تبحث عن "عجوز"، اذهب إليها وقل لها: "هاتِ جواز السفر لأساعدك"، ثم تأخذ بيدها وتذهب إلى أول الصف وتقول للناس: لو سمحتم لا تستطيع جدتي الوقوف، فتنهي إجراءاتك وإجراءات العجوز الطيبة.
إلى الجانب الأردني
بعد أن تختم جواز سفرك وتخرج بسلامة دون حجزك لدى جهاز المخابرات أو تأخيرك، تذهب لتنتظر الحافلة. وتستطيع أخي المسافر أن تستمتع بتناول سيجارة أمام الحافلة ريثما تمتلئ. بعد صعود الحافلة الجديدة تذهب بك إلى ساحة كبيرة مليئة بمئات الحقائب المبعثرة هنا وهناك، قبل أن تنزل عليك تقسيم عائلتك إلى ثلاثة أقسام على النحو الآتي:
. أ-شخص يذهب لشراء التذاكر (3 شيكل للطرد و13 للراكب).
ب-مجموعة تذهب للبحث عن الحقائب المبعثرة.
ج- مجموعة تذهب إلى حجز المقاعد في الحافلة ويفضل أن تكون من النساء.
قبل أن تجلس، عليك أن تسحب استمارة بيضاء بجانب سائق الحافلة ثم تملأ البيانات داخل الحافلة. ولا تستغرب إن أعرت قلمك لامرأة ثم وجدته مع رجل. عند وصول الحافلة إلى الجانب الأردني، يصعد الشرطي إلى الحافلة ليأخذ الجزء العلوي من الاستمارات، ثم ينزل الركاب مسرعين مع إمكانية حدوث بعض حالات الاختناق والقليل من الاشتباكات نتيجة التدافع. وبعد الانتهاء من ختم جوازك الأردني تذهب لتدفع عشرة دنانير خروجية للجانب الأردني، ثم تذهب للبحث عن حقائبك مرة أخرى مع تجهيز 25 قرشاً لكل حقيبة.
عند خروجك من الجانب الأردني مشياً، تتفاجأ بكم هائل من الرجال بانتظارك. هؤلاء ليسوا مهنئين أو مستقبلين، إنهم سائقو سيارات الأجرة يبحثون عن مسافر متعب. هنا نهاية الرحلة التي اختصرت منها الكثير، لكن لا أستطيع أن أختم قبل أن اذكر بعض الملاحظات:
- عزيزي المسافر، لا داعي لأن تلبس أجمل ما لديك في يوم السفر، ففي نهاية الرحلة لن يهمّ كيف تبدو
- عدم تناول الطعام والشراب قبل السفر، كي لا تضطر لاستخدام دورات المياه المقززة
- تجهيز النقود بالعملات الأردنية والإسرائيلية والدولار أيضاً للسوق الحرة
- لا داعي للبس المعادن والحلي هذا اليوم رجاءً
- لا داعي للركض والاستعجال
وأخيراً.. انتظروا الجزء الثاني في العودة
الكاتب: رائد كتانة
المحررة: سارة أبو الرب
*هذا المقال لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر دوز