وأنت تسير في شوارع المدن والقرى، تأسر قلبك وعينيك منازل شائخة ووحيدة، غطت جدرانها الألوان القاتمة، وقد تكسر زجاج نوافذها وأخذت أشجار وأزهار حدائقها الطريق إلى فوضى الشكل أو اصفرار التفاصيل. تسلل الصدأ إلى بابها الرئيسي وتمدد بلاط الساحات باتجاه الأعلى وشاخ صهريج الماء الواقف على سطحها. تحودب جسم عمود التلفاز الذي كان يراقب الشارع الرئيسي. غابت الأحرف والنقاط عن الآرمة التي كانت تحمل اسم المؤسس.
أقف باستمرار أمام هذا المنظر المؤلم طويلاً وأحتفظ بصورة منه في الذاكرة. أعرف أن مصير معظم هذه البيوت سيكون الهدم أو الموت أو البيع.
كمؤرخ وكاتب قمت بدراسة مسيرة وحياة عشرات البيوت، وآمنت بأن لها أعماراً افتراضية محددة. وعلى خطى معلمي خالد الذكر "عبد الرحمن بن خلدون" سأحاول وضع نظرية مقترحة لحياة "بيت العائلة":
أولاً: الجيل المؤسس: تعود على شظف العيش والصبر، موهوب، قوي الشكيمة، ظلل الحب والتعاون ظروفه. سلم أعضاء العائلة لهذا الجيل بالملك والحكم. شيد الآباء بيتهم بالجهد والصبر والعرق والدموع، وأنجبوا أولادهم وراقبوا أعمارهم وأحلامهم وآمالهم وآلامهم. يبلغ عمر هذا الجيل من 40 إلى 50 عاماً.
ثانيا: جيل الأبناء: يتميز أفراده بالدعة والترف. غاب من ذاكرتهم عهد البدايات وتضحيات الآباء والأمهات وسهرهم وخوفهم وجهدهم. تزوجوا وخرجوا بفعل عوامل الاستقلال أو الانفصال عن "بيت العائلة"، وبقي الآباء والأمهات في بيتهم. تظللهم الوحدة والألم بسبب زيارة الأبناء لهم في فترات متقطعة أو خلال المناسبات والأعياد وأيام المرض والتعب، ثم تأخذ اللقاءات بالتباعد بفعل التفاصيل أو الغربة. يبلغ عمر هذا الجيل من 25 إلى 30 عاماً.
ثالثا: جيل الهزيمة أو النهاية: يأخذ الله أمانته ويموت الجيل المؤسس ويصبح "بيت العائلة" مأوى للطيور والحيوانات الضالة والأليفة. يتسلل التراب إلى شاشات التلفاز والبراويز المعلقة، وتصدأ الغسالات والثلاجات وأدوات المطبخ، ويذوب الدهان عن الجدران ويعلو صوت أزيز مقابض الأبواب والنوافذ. تخبو علاقة جيل الأبناء مع المكان ويتفق الجميع على التخلص أو بيع "بيت العائلة". يشتريه مستثمر تاجر يسرع في تدمير كيانه ويحوله خلال دقائق أو أيام معدودة إلى ركام حزين تتناثر أشلاؤه في كل اتجاه. لن يبقى من جسده سوى ذكريات ستزول رويداً لا محالة.
سيسمع الناس بين الفينة والأخرى تمتمات لجار قريب أو تائه مجهد يجوب موقع المجزرة: "هنا كان بيت فلان، أولاده باعوه وتناثروا أو تشتتوا في مساحات الدنيا الواسعة".
يا الله! كابوس يولج داخلي. أهكذا ستكون نهايات بيوتنا التي شيدناها؟ أهكذا سيغتالون سيمفونية العمر الجميلة؟ أهكذا سيسحقون صورة الذكريات التي تقبع في الذاكرة؟ أين سنودع أحلامنا وآمالنا وضحكاتنا التي كانت تسكن بيت العائلة؟ السلام على الشهداء من الآباء والأمهات! الشفقة على مجموعة من الجلادين والقتلة. ربما سيشبهون أولادنا أو أحد معارفنا. ربما!".
الكاتب: عدنان ملحم
المحررة: سارة أبو الرب