ذاكرةٌ معطوبة (1) أختبئُ مثل خيطٍ رفيع، قفز من ثوب جدةٍ تركتْ صورةً لها على الحائط، وعكازًا ذا قامةٍ قصيرة؛ كان مخادعًا. أشبهُ كل شيء؛ الطاولة، علبة السجائر، النافذة، قفل الباب، الفراغ، الدهشة، الشعراء، الغياب، المسافة، القبور، البنادق، وجنازةَ أرملةٍ نحيلة كانت تمدُّ يدها لتصافح الريح. عليَّ أن أفتعلَ السحر؛ مثلاً أبترُّ أرجل الطاولة، ويصبح ليّ أربعة أرجلٍ سريعة كطائرةٍ نفاثة، أو مثلاً أحرق السجائر بعودِ كبريتٍ لا نار فيه. لمَ لا أرسمُ نافذةً وبابًا على سقف الغرفة وأفرُّ منهما؟ ثم أحوّلُ الفراغَ لشجرةٍ مثمرة. وأُصابُ بدهشةٍ ما، أو أعود بجسدٍ شاعرٍ من العصر الجاهليّ، فيموتُ الغِياب، وتقلُ المسافة ما بين الماضي والحاضر، ويعودُ الميتُ من قبره ليزور أطفاله الحزانى، وتتحول البنادق لعصافيرٍ مُسالمة، تحلقُ بعيداً.
ذاكرة معطوبة (2) أعرف غابةً وحيدة؛ تدّس في جواربها كومة قش، وغصنًا هشًا يرتلُ أناشيد مذمومة. حذاءً قد وشى به مسمارٌ غاضب؛ كان يصفر مثل مزمارٍ صغير. في المساء يصبحُ ظِلاً يرمق بعينيه الصغيرتين الغيوم الماطرة. أتذكرُ هذه التفاصيل كأنها حدثت الآن. المطرُ نادى غيمةً فاشتد أزرُها، واشتد بكائي. قلت لنفسي مواسيًا: "أنا لم أبكِ؛ أنا بيتٌ كبير من الدموع".
ذاكرةٌ معطوبة (3) أحيا كدلوٍ يصعدُ فارغًا. لمح بطرفِه رأس رصاصةٍ عطشى، فاستعار الشتاء وبكى. أصبح لِصًا. تحول لسرابٍ ثم أخذ يتسللُ خِفيةً. استبدل ذاكرته بحقائب فارغة. نام هناك مُدعيًا الحُم. رّقَ قلب الرصاصة فقتلتْ نفسها. وأعود مثل راعٍ أكل الذئبُ قطيع ماشيته. ظلّ يرجم وجهه حزنًا. أصاب الغرور فؤاده وباع حقائب حزنه في مزادٍ علني. أعودُ والخوف يأكل بشراهةٍ نصف رئتي. أقلدُ حائط الغرفة. أجلسُ كبيتِ عنكبوت في زوايةٍ ما، وأبدأ العدّ كطفلٍ في الخامسة من عمره.
ذاكرةٌ معطوبة (4) إن ألمه لم يكن واضحًا، وذاكرته الهزيلة تترنحُ كأرجوحةٍ هنا وهناك. تذهبُ، تتخبط كثملٍ، تعودُ، تغفو قليلاً وتحلم. ثمة ثقبٍ عشوائي يأخذُ أشياءه. كأنّ يدًا تمتد نحوه تسلبه روحه وتمضي. لا مفر من الحزن، أليس كذلك؟ لذا أحاولُ ابتكار شخصيةٍ فذّة، رجلٍ أو امراةٍ لا فرق. أُخفي الحزن في جيوب. أنقش ذاكرتهُ، ثم أسعى لإتلافها باكرًا. رغم فشلي الذريع بأن أكون كاتبًا جيدًا، إلا أنني أمتهنُ إيجاد شخصٍ يعاني مما أُعاني منه، شخصٌ لا يجدُ مفرًا من هذا العبء، يهربُ متخفيًا في نصٍ ساذج. حروفٌ تتلعثم وتقفز من فمي، وأصمتُ لتتقن هي دورها.
ذاكرة معطوبة (5) ثم إني مثل غصنٍ كسير، أخرجُ متنكرًا في زيٍّ أسود لأواجه الحياة هنا. لم أرَ بعد رصيفًا يرمقني بنظراته الحائرة، أو مطرًا ثائرًا يتدلى مثل خيطٍ رفيع يجيدُ رقص الباليه. لم أجد ظلاً يتكلمُ بصوتٍ هزيل، أو كرسيًا يمارسُ حياته اليومية بشكلٍ هادئ. لم أتحول يومًا لإشارةٍ مرورية مستفزة، أو وسادةً ناعمة تحملُ رؤوسًا أتلفها الزمن، إني أبكي كثيرًا كأني خزائن من الدمع قد أُوصدت أبوابها، أسيرُ لأواجه كل شيء، لأُغني لعالمٍ أبكم، لأتجاوز كمًا هائلاً من الحزن، غصنٌ كسيرٌ أنا لكن الريح لم تُذهبني بعد.
الكاتبة: ميساء حسين
المحررة: سارة أبو الرب